ابن الجوزي

23

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فما ] [ 1 ] تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان ، فإن كان الخالق الَّذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه ، وان كانت الطبائع المحدثة لذلك ، فما أنت بأحذق منها ولا أنقص عملا منك . قال المصنف رحمه الله : وقد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة ، فأما ما قد ذبحه غيره فأي رحمة قد بقيت في ترك أكله ، وكانت أحواله تدل على اختلاف عقيدته . وقد حكي / لنا عن أبي زكريا أنه قال : قال لي المعري : ما الَّذي تعتقد ؟ فقلت 12 / ب في نفسي : اليوم أعرف اعتقاده . فقلت : ما أنا إلا شاك . فقال : هكذا [ 2 ] شيخك . وكان ظاهر أمره يدل أنه يميل إلى مذهب البراهمة ، فإنّهم لا يرون ذبح الحيوان ، ويجحدون الرسل وقد رماه جماعة من أهل العلم [ 3 ] بالزندقة والإلحاد ، وذلك أمره ظاهر في كلامه وأشعاره ، وأنه يرد على الرسل ويعيب الشرائع ، ويجحد البعث . ونقلت من خط أبي الوفاء ابن عقيل أنه قال : من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الَّذي لا يبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين ، بل قصر فيه كل التقصير ، وسقط من عيون الكل ، ثم اعتذر بأن لقوله باطنا ، وأنه مسلم في الباطن ، فلا عقل له ولا دين ، لأنه تظاهر بالكفر وزعم أنه مسلم في الباطن ، وهذا عكس قضايا المنافقين والزنادقة ، حيث تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر ، فهل كان في بلاد الكفار حتى يحتاج إلى أن يبطن الإسلام ، فلا أسخف عقلا ممن سلك هذه الطريقة التي هي أخس من طريقة الزنادقة والمنافقين ، إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة ، والزنديق يطلب النجاة في الدنيا ، وهو جعل نفسه عرضة لإهلاكها [ 4 ] في الدنيا حين طعن في الإسلام في بلاد الإسلام ، وأبطن الكفر ، وأهلك نفسه في المعاد ، فلا عقل له ولا دين .

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 2 ] في ص : « هذا » . [ 3 ] في ص : « من العلماء » . [ 4 ] في ص : « إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة لا هلاكها في الدنيا » . وفي ت : « إذا كان المتدين يطلب النجاة في الدنيا وقد جعل نفسه عرضة لإهلاكها . . . » .